سورية حياتي يا برشلونة

سورية حياتي يا برشلونة


أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

هارباك الميدي والعقبرية العسكرية توفي حوالي 515 قبل ميلاد

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

خارطة غربي آسيا سياسياً

هارپاگ Harpage الميدي ليس جديداً على قارئ هذه الحلقات، فقد مر في حلقة (أستياج الميدي) أن هيرودوت أورد اسمه بصيغة (هارپاجوس) ، ورجّحنا حينذاك أن يكون اسمه في الأصل آر پاك Ar pak ، فتبادل المواقع بين حرفي (الهمزة) و(الهاء) أمر معروف في مسيرة ترجمة الأسماء والمصطلحات من لغة إلى أخرى، و(آر پاك) يعني (النار الطاهرة)، أو (الناري المبارك)، وعلمنا أيضاً أن هارپاگ لم يكن مباركاً على شعبه الميدي أبداً، بل إنه انساق وراء أحقاده وحساباته الشخصية الأنانية، فتآمر مع كورش الأخميني على الملك الميدي الأخير أستياج (أستياجس)، وجرّ إلى صف التآمر والخيانة بعض كبار قادة ميديا، وكانت النتيجة الطبيعية أن أستياج خسر الحرب ضد حفيده وخصمه كورش Kursh، ووقع أسيراً في قبضته، ودخل كورش العاصمة الميدية أكباتانا دخول الفاتحين، وقضى على الدولة الميدية قضاء مبرماً، وأسس على أنقاضها الدولة الأخمينية الفارسية، ولست مبالغاً إذا قلت: إن الكرد دفعوا طوال تاريخهم ثمناً مُرّاً نتيجة ذلك التآمر، وما زالوا يدفعون الثمن.

ولم يكن هارپاگ شخصية عادية، إنه كان قائداً ميدياً كبيراً، وكان يتصف بالذكاء والدهاء، وإلا كيف كان له أن يحبك مؤامرة معقدة، ويُسقط إمبراطورية بكاملها؟ وكان من الطبيعي أن يكافئ كورش حليفه الميدي هارپاگ على خدماته التي لا تُقدَّر بثمن، وأن يستمر في استثمار مواهبه القيادية وقدراته العسكرية إلى أقصى درجة ممكنة، وينعم عليه لقاء ذلك بالمناصب والأموال، ويوظّف جهوده وجهود سائر رجالات ميديا في ترسيخ سلطته، وتوسيع حدود إمبراطوريته، واحتلال أراضي الشعوب الأخرى، ونهب الثروات واستعباد السكان.

وقبل البحث في خدمات هارپاگ العسكرية لكورش الأخميني دعونا نلق نظرة على الوضع الإقليمي في غربي آسيا إبّان سقوط الدولة الميدية ونشأة الدولة الأخمينية. فقبيل سقوط الدولة الميدية كانت ثمة أربع قوى إقليمية بارزة في غربي آسيا وفي الزاوية الشمالية الشرقية من إفريقيا، هي:

1- الدولة الميدية: كانت تحكم من أفغانستان شرقاً إلى الساحل الشمالي الشرقي من البحر المتوسط (سمي بعدئذ خليج الإسكندرونة)، مروراً بإيران الحالية وكردستان جميعها، وكيليكيا، أما حدودها الغربية فكانت تقف عند الضفة الشرقية لنهر هاليس (قيزيل إرماق) في منطقة الأناضول الوسطى.

2- الدولة البابلية: كانت تحكم المنطقة الممتدة من الخليج العربي شرقاً إلى الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط غرباً، وتضم العراق (ما عدا المناطق الواقعة شرقي نهر دجلة بما فيها إقليم كردستان)، وسوريا الكبرى (سوريا، الأردن، لبنان، فلسطين).

3- الدولة الليدية: كانت تبسط نفوذها على المنطقة الغربية من آسيا الصغرى (غربي تركيا حالياً)، وكانت حدودها تمتد من الضفة الغربية لنهر هاليس شرقاً إلى شواطئ بحر إيجا ومضيق الدردنيل والبوسفور غرباً. وكان الليديون شعباً غير آري، ويتكلم لغة غير آرية، وقد استقر منذ القديم في غربي آسيا الصغرى، وكانت عاصمتهم سارديس، وقد تعرّضت ليديا لغزو الكّمريين الآريين الرحّل في عصر الملك الليدي جيجيس، فردّهم جيجيس وابنه وحفيده بالجهد والمشقة. وإلى إلياتس (إلياتتيس) حفيد جيجيس يرجع الفضل في جعل ليديا قوة يعتدّ بها، وقد ظل في الملك سبع سنين، واشتهر بأنه كان أغنى ملوك آسيا، وخلفه على السلطة ابنه كرُويسوس Croesus (قارون)، فازدادت ليديا ثراء وقوة في عهده، وكانت ليديا تمتاز بموقع تجاري هام، إذ كانت صلة الوصل بين الغرب الأوربي والشرق بشكل عام، وقد اشتهرت بأنها أولى أقطار العالم في إنتاج النقود المسكوكة، وفي إعداد الخانات (الفنادق) للمسافرين والتجار. [هـ. ج. ولز: معالم تاريخ الإنسانية 2/345- 347].

4- الدولة المصرية: موقعها في الزاوية الشمالية الشرقية من إفريقيا، وصحيح أن مصر تعدّ من الدول الإفريقية جغرافياً، لكن، بحكم موقعها المتاخم لقارة آسيا، كان حكامها مهتمين بالعلاقات السياسية والعسكرية مع دول غربي آسيا في جميع العهود، وكانت مصر تغزو مناطق غربي آسيا، ولا سيما سوريا الكبرى، وأحياناً آسيا الصغرى، حينما كانت تقوى، كما كانت تتعرض للغزو من ملوك غربي آسيا عندما كانت تضعف، ومثال ذلك: (احتلال مصر لسوريا الكبرى وآسيا الصغرى في عهد رمسيس الثاني، والغزو الآشوري لمصر، والغزو الفارسي لمصر)، وكانت مصر تعقد تحالفات سياسية مع هذه وتلك من الدول في معظم الأحيان، ومنها (التحالف المصري الميتاني ضد الحثيين).


توازنات إقليمية


مر بنا في حلقات سابقة أن الملك الميدي كَيْ خُسرو kai-Khosru (كي أخسار Cyaxares = اكزركيس= اكسركيس = سياشاريس) تحالف مع الملك البابلي نبوبولاصّر، وتوطّد الحلف بزواج نبوخذ نصّر (بختنصّر) بن نبوبولاصّر من ابنة الملك الميدي وبنى لها الحدائق المعلقة (لعلها سميراميس)، وقضى الحليفان على عدوتهما الدولة الآشورية سنة (612 ق.م)، وتقاسما أملاكها، فكان النصف الشمالي والشرقي للميديين، والنصف الجنوبي والغربي للبابليين. وكانت الدولة الآشورية نفسها قد تحالفت حينذاك مع العدو المشترك لكل من الميديين والبابليين؛ أقصد الغزاة السكيث Scythians.

والسكيث (الإسكيذيون= الأشقوذيون) شعب بدوي محارب شرس، شديد المراس، كثير العدد، كان يمتهن الغزو مثل بقية الشعوب البدوية عبر التاريخ، وكانت مواطنه الشاسعة تقع في شمالي البحر الأسود، وتمتد بين نهر الدانوب غرباً ونهر الدُّون شرقاً، وقد خاض السكيث حرباً ضروساَ ضد شعب آري آخر اسمه السِمِّريون Cimmerians (الكِمِّريون)، ولما خسر السمّريون الحرب ضد السكيث فرّوا باتجاه الجنوب والشرق، وعبروا مضيق البوسفور، واتجهوا شرقاً داخل آسيا الصغرى (غربي تركيا حالياً)، ووصلوا إلى شمالي الأناضول، واستقروا حول ضفاف نهر هاليس (قيزيل إرماق) الواقع في وسط وشمالي تركيا حالياً، فطاردهم السكيث للقضاء عليهم.

ويبدو أن مكاسب الغزو طابت للغزاة السكيث، فبلادهم سهوب شديدة البرودة، قليلة الخيرات، بعيدة عن طرق المواصلات التجارية العالمية الفاعلة، وها قد وجدوا أنفسهم في بلاد أكثر دفئاً، وأوفر ثراء، وتقع على حافات أهم طريقين تجاريين عالميين حينذاك كانا يربطان أوربا بآسيا، هما: طريق الحرير، وطريق البخور، فتوغّلوا بغزواتهم شرقاً، وهاجموا أرمينيا، ثم انحدروا جنوباً، ووصلوا إلى شرقي كردستان، ودخلوا في صراع مرير ضد الميديين.

وكان من الطبيعي، والحال هذه، أن يتحالف السكيث مع الآشوريين، حتى إن أميرات آشوريات، من بينهن ابنة الملك الآشوري آسَرْحدون، تزوّجن من بعض رؤساء السكيث، ومر بنا سابقاً أنه حوالي سنة (632 ق.م) هاجم الميديون بقيادة كَيْ خُسرو دولة آشور، ونازلوا العاصمة نينوى، لكن السكيث استغلوا انشغال القائد الميدي بالحرب ضد آشور، فهاجموا ميديا من الخلف، ونشروا الدمار حيثما حلّوا، فاضطر الميديون إلى فك الحصار عن نينوى، والعودة بسرعة إلى ميديا، لرد الغزو السكيثي، وكان من مصلحة الآشوريين أن يثيروا الخلافات بين الشعوب الآرية المجاورة لهم، يقول هـ.ج. ولز: " فإن ملوك دولة آشور يوقعون الشحناء طرفاً من الزمان بين مختلف هذه الشعوب ذوات القربى، ويُغرون الكمّريين والميديين والفرس والإسكيذيين بعضهم ببعض". [هـ. ج. ولز: معالم تاريخ الإنسانية، 2/351].

وجملة القول أنه كان في غربي آسيا حينذاك قوتان كبيرتان متخاصمتان:

1 - الإمبراطورية الآشورية المهيمنة، ومعها مصر باعتبار أن الآشوريين كانوا قد غزوها سنة (674 ق.م)، وأخضعوها لسلطانهم. ومعها أيضاً الغزاة السكيث، وليديا، باعتبار أن الملك الليدي جيجيس مؤسس أسرة مرمناداي، كان قد تحالف مع الملك الآشوري آشور بانيبال سنة (670 – 652 ق.م). [ديورانت: قصة الحضارة، 2/184. وليام لانجر: موسوعة تاريخ العالم، 1/85].

2 – الدولة الميدية الناهضة: ومعها عيلام وفارس باعتبارهما كانتا تابعتين لها، ومعها بابل باعتبارها حليفة لها، ومتضررة من التسلّط الآشوري مثل ميديا.

ولما انتصر الحلف الميدي البابلي على الإمبراطورية الآشورية سنة (612 ق.م)، وسقطت الدولة الآشورية سقوطاً نهائياً، اختل التوازن الإقليمي في غربي آسيا، وضاق الخناق على الغزاة السكيث تحت وطأة الدولة الميدية الناشئة، وكانوا ينتهزون الفرص للانقلاب على الميديين ثانية، فهاجمهم كَيْ خُسرو، وأنزل بهم الهزيمة، ففروا غرباً، ولجأوا إلى مملكة ليديا المجاورة لمملكة ميديا.

وطلب الملك الميدي كَيْ خُسرو من الملك الليدي إلياتس (إلياتتيس) تسليمه السكيث الفارين، لكن الملك الليدي رفض ذلك، وكان موقفه ذلك طبيعياً؛ إذ كيف يسلّم حلفاءه السابقين لدولة ناشئة قوية يمكنها أن تهدد حدودها الشرقية؟ وعلمنا سابقاً أن الحرب اندلعت بين ميديا وليديا، واستمرت ست سنوات، ثم تدخّل الملك البابلي نبوبولاصّر بين الفريقين، وأصلح ذات البين، وتعزّزت اتفاقية السلام بين مملكتي ميديا وليديا بزواج أستياجس بن كَيْ خُسرو من ابنة الملك الليدي إلياتس حوالي سنة (597 ق.م)،.

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://sorea2009barsa1994.yoo7.com

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى